تقرير بحث السيد المرعشي لعادل العلوي
339
القصاص على ضوء القرآن والسنة
أن يكون الاستيذان منه واجبا ، فإنه مع حضور الإمام يجب ذلك . واما مستند الحرمة فلا نص معتبر في ذلك ، إلا القول بالاحتياط وقاعدة الاهتمام ، ولزوم الهرج لولا ذلك ، أو لزوم إنكار القصاص ، ولكن لا دليلية لمثل هذه على إثبات الحرمة . والعجب من أولئك الذين رتّبوا الإثم على عدم الاستيذان ، وأنه يعزّر على تركه ولا نصّ لنا في المقام إلا رواية مرسلة أو بحكم المرسلة ، لاشتمالها على بعض المجاهيل تقول : ( من قتله القصاص بأمر الإمام فلا دية له في قتل ولا في جراحة ) . فهذه الرواية ( 1 ) تشعر باعتبار أمر الإمام في إجراء الحد ، فإنه لو كان بأمره فلا دية ، ومفهوم ذلك أنه لو لم يكن بأمره فعليه الدية ، ولكن اتفق الفقهاء على أنه لو لم يكن بأمره فكذلك لا دية ، فلا دلالة واضحة ، كما أن سندها ضعيف . فالمختار أن الاستيذان إنما يكون من باب الحكم الإرشادي لا التكليف الشرعي . فتأمل . السابع : لو تعدّد أولياء المقتول وأراد أحدهم أن يبادر بالقصاص فهل يجوز ذلك ( 2 ) ؟
--> ( 1 ) الوسائل ج 19 ص 47 الباب 24 من أبواب القصاص في النفس الحديث 8 - وبإسناده الشيخ الطوسي - عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن محمّد بن الحسن عن محمّد ابن عبد اللَّه بن هلال عن العلاء بن رزين عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال : من قتله القصاص بأمر الإمام فلا دية له في قتل ولا جراحة . ( 2 ) الجواهر ج 42 ص 289 : ( وإن كانوا ) أي الأولياء ( جماعة لم يجز الاستيفاء إلا بعد الاجتماع ) مع الإذن من الإمام عليه السلام على القول به عند الفاضل والشهيدين والمقداد والأردبيلي والكاشاني بل في غاية المرام أنه المشهور على معنى استيفائهم إياه أجمع ( اما بالوكالة ) لأحد خارج عنهم ( أو بالإذن لواحد ) منهم لا أن المراد ضرب كل واحد منهم إياه . . ( وقال الشيخ ) في المبسوط والخلاف ( يجوز لكل منهم المبادرة ولا يتوقف على إذن الآخر ) وهو المحكي عن أبي علي وعلم الهدى والقاضي والكيدري وابني حمزة وزهرة بل في مجمع البرهان نسبته إلى الأكثر ، بل عن المرتضى والخلاف والغنية وظاهر المبسوط الإجماع عليه ، بل عن الخلاف نسبته إلى أخبار الفرقة أيضا وهو الحجة بعد تأييده ببناء القصاص على التغليب . . ( لكن يضمن حينئذ حصص من لم يأذن ) بلا خلاف ولا إشكال بل الإجماعات المزبورة كلَّها عليه . . وقال العلامة في القواعد 299 : ولو كانوا جماعة لم يجز الاستيفاء الا باجتماع الجميع اما بالوكالة أو الإذن لواحد يستوفيه فان وقعت المنازعة وكانوا كلهم من أهل الاستيفاء أقرع فمن خرجت قرعته جعل إليه الاستيفاء ، ولو كان منهم من لا يحسنه كالنساء ، فالأقرب كتابة اسمه بحيث لو خرج فوّض إلى من شاء ، وقيل يجوز لكل منهم المبادرة ولا يتوقف على إذن الآخر ، لكن يضمن حصص من لم يأذن . وفي رياض المسائل 2 / 521 : ولو كانوا - أي أولياء الدم - جماعة لم يجز لأحدهم الاستيفاء بنفسه ، بل يتوقف على الاجتماع ، اما بالوكالة لأجنبي أو أحدهم أو بالإذن ، وفاقا للفاضلين والشهيدين وغيرهم من المتأخرين ، وبالجملة المشهور كما في شرح الشرائع للصيمري لتساويهم في السلطان ، ولاشتراك الحق فلا يستوفيه بعضهم ، ولأن القصاص موضوع للتشفي ولا يحصل بفعل بعضهم ، وقال الشيخ في المبسوط والخلاف : لو بادر أحدهم بالاستيفاء جاز له ذلك ، وضمن الدية عن حصص الباقين وهو خيرة السيدين مدعيين عليه الإجماع كالشيخ في الكتابين وهو الحجة ، لا ما يقال لهم أو قالوه : من قوله تعالى : « فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً » وبناء القصاص على التغليب ، وأنه لو عفى بعضهم على مال أو مطلقا ، كان للآخر القصاص ، مع أن القاتل قد أحرز نفسه فهنا كذلك ، وبطريق أولى ، لإمكان المناقشة في الجميع لعدم ظهور الآية في المطلوب ، والتغليب ليس بحجة بل غير مسلَّم ، فإنه يسقط بالشبهة مثل سائر الحدود ، وجواز استقلال البعض بالاستيفاء ، والقصاص بعد أخذ الباقي حقه بالعفو وغيره ، لا يستلزم جوازه بدون أخذهم ذلك ، فكيف الأولوية ؟ فتأمل . وهذه الوجوه وان لم تصلح للحجيّة لكنها معاضدات قوية للإجماعات المحكيّة حدّ الاستفاضة السليمة ، مع ذلك عما يوجب ، وهاهنا سوى الشهرة المتأخرة ، وهي ليست بموهنة كما عرفته ، والشهرة المطلقة المحكية معارضة بدعوى المولى الأردبيلي ، وفي شرح القواعد على هذا القول الأكثرية ، وبعد التساقط تبقى الإجماعات عن الوهن بها سليمة ، فاذن هذا القول في غاية القوة ، سيما مع التأيد بما قيل من أن الباقي اما أن يريد قتله أو الدية أو العفو ، فإن أراد القتل فقد حصل ، وان أراد الدية فالمباشرة باذل ، وان أراد العفو فيعفو فيه أيضا ، إذ المقصود منه المثوبة سبحانه ، وهي على التقديرين حاصلة ، فتأمل ، ولا ريب أن القول الأول أحوط . وفي المسالك 2 / 477 في قوله ( وان كانوا جماعة ) : ما تقدم حكم ما إذا اتحد الولي ، اما مع تعدده فهل يتوقف على اجتماع الأولياء في الاستيفاء أم يجوز لكل منهم المبادرة إليه ؟ فيه قولان : أحدهما : وهو الذي ذهب إليه الشيخ الجواز مع ضمان حصص الباقين لتحقق الولاية لكل واحد بانفراده فيتناوله العموم ، ولبناء القصاص على التغليب ، ومن ثمَّ لا يسقط بعفو البعض عندنا على مال أو مطلقا ، بل للباقين الاقتصاص مع أن القاتل قد أحرز بعض نفسه ، فهنا أولى ، والثاني : وهو الذي اختاره المصنف المنع كما لا ينفرد باستيفاء تمام الدية ، لأنه حق مشترك فيتوقف تحصيله على اجتماعهم كغيره من الحقوق التي لا يمكن فصل حق بعض المستحقين عن بعض - وهنا كلام مفصل فراجع - وفي الإيضاح 4 / 622 في قول العلامة في القواعد ( ولو كانوا جماعة - إلى قوله - من شاء ) إذا كان في مستحق القصاص من لا يحسن مباشرته كالمرأة على القول باستحقاقها القصاص ، فالأقرب أنها تدخل في القرعة ويكتب اسمها في رقعة بين المستحقين باستيفاء ديته ، بحيث لو خرج اسمها لكان لها أن تفوض مباشرته إلى من شاءت ، ووجه القرب ظاهر لأن مستحق القصاص مخير بين استيفائه مباشرة أو توكيلا ، وعجز المستحق عن استيفاء حقه لا يوجب سقوطه ، ويحتمل عدمه لأنه ليس له المباشرة لاحتمال تعديه بما لا يستحق ، فلا يكون له التوكيل ، لأن الوكيل انما يفعل ما للموكل مباشرته ، والأصح عندي الأول . وفي قوله ( وقيل يجوز لكل منهم المبادرة ولا يتوقف على إذن الآخر لكن يضمن حصص من لم يأذن ) قوله ( وقيل ) إشارة إلى قول الشيخ في المبسوط حيث قال : وأما ورثته إذا كانوا أهل رشد ولا مولى عليهم ، فليس لبعضهم أن يستوفيه بغير إذن شريكه ، فإن كان شريكه حاضرا ، فليحضره ، وان كان غائبا فلينتظره ، ولا خلاف في هذين الفعلين عندهم وعندنا ، له أن يستوفيه بشرط أن يضمن للباقين ما يخصهم من الدية ، وكذا قال في الخلاف . وفي قوله ( ولو كان فيهم غائب أو صغير أو مجنون قيل كان للحاضر الاستيفاء ، وكذا الكبير والعاقل ، لكن بشرط أن يضمنوا نصيب الغائب والصبي والمجنون من الدية ، ويحتمل حبس القاتل إلى أن يقدم الغائب ويبلغ الصبي ويفيق المجنون ) قوله ( وقيل ) إشارة إلى قول الشيخ في الكتابين أعني المبسوط والخلاف ، أما المصنف فقال : يحتمل حبس القاتل ، لأن القتل غير مختص بالحاضر والكامل والقتل لا يتبعض فوجب تأخيره إلى زوال أعذار الشركاء ، والا لزم تضييع حقوقهم ، فيحبسه الحاكم لحفظ حق المولَّى عليه والغائب ، لأنه يجب عليه حفظ حقوقهم ، ولا يتم الا بالحبس هنا ، وما لا يتم الواجب الا به فهو واجب . وقال العلامة في القواعد : ( وليس للأولياء أن يجتمعوا على استيفائه بالمباشرة لما فيه من التعذيب ، فان فعلوا أساؤا ولا شيء عليهم ، ولو بدر منهم واحد فقتله من غير إذن الباقين عزر ، وهل يستحق القصاص إشكال ينشأ من أن له نصيبا في نفسه ومن انه تعمد قتل من يكافيه ظلما مع العلم بالتحريم والأول أقرب ) قال فخر المحققين : في هذه المسألة خلاف ، فجوز الشيخ لبعضهم القتل مع ردّ ما يخصّ الباقين من الدية على ما تقدم ، وأقل مراتبه أن يكون شبهة مسقطة للقصاص ، والأقوى عندي انه لا قصاص عليه ، بل يلزمه ردّ ما فضل عن نصيبه من الدية للشركاء . قال العلامة : ( وهل للولي الآخر مطالبة تركة القاتل أو مطالبة المستوفي أو يتخيّر ؟ الأقرب الأخير ) قال ولده : وجه القرب ان كل واحد منهما متعد عليه ، وأما الأول فظاهر لأنه قتل مورثه عمدا وفات محل القصاص ، فيرجع على تركته بنصيبه من الدية ، وأما الثاني فلأنه أتلف حقه وفوّته فكان ضامنا لعوضه ، ويحتمل عدم الرجوع على تركة الجاني ، والا لزم جواز أن يجني الجاني على أكثر من نفسه ، لجواز أن يكون المقتص معسرا ، فلو رجع على تركة الجاني للزم المحال المذكور ، وأما استحالة اللازم فلقول النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : لا يجني الجاني على أكثر من نفسه ، والأقوى عندي التخيير . وفي اللمعتين 2 / 415 : وان كانوا جماعة توقف الاستيفاء على إذنهم أجمع سواء كانوا حاضرين أم لا ، لتساويهم في السلطان ، ولاشتراك الحق فلا يستوفيه بعضهم ، ولأن القصاص موضوع للتشفي ولا يحصل بفعل البعض ، وقيل والقائل به جماعة منهم الشيخ والمرتضى مدعين الإجماع ، للحاضر من الأولياء الاستيفاء من غير ارتقاب حضور الغائب ولا استيذانه ، ويضمن المستوفي حصص الباقين من الدية لتحقق الولاية للحاضر ، فيناوله العموم ، ولبناء القصاص على التغليب ، ومن ثمَّ لا يسقط بعفو البعض على مال أو مطلقا ، بل للباقين الاقتصاص مع أن القاتل قد أحرز بعض نفسه فهنا أولى . وتظهر الفائدة في تعزير المبادر إليه وعدمه ، أما قتله فلا ، لأنه مهدر بالنسبة إليه . ولو كان الولي صغيرا وله أب أو جد لم يكن له أي لوليه من الأب والجد الاستيفاء إلى بلوغه ، لأن الحق له ولا يعلم ما يريده حينئذ ، ولأن الغرض التشفي ، ولا يتحقق بتعجيله قبله ، وحينئذ فيحبس القاتل حتى يبلغ ، وقيل والقائل الشيخ وأكثر المتأخرين تراعى المصلحة ، فإن اقتضت تعجيله جاز لأن مصالح الطفل منوطة بنظر الولي ، ولأن التأخير ربما استلزم تفويت القصاص وهو أجود ، وفي حكمه المجنون وفي جامع المدارك 7 / 262 في قول المصنف ( وللولي الواحد المبادرة بالقصاص وقيل يتوقف على إذن الحاكم ، ولو كانوا جماعة توقف على الاجتماع ، قال الشيخ : ولو بادر أحدهم جاز وضمن الدية عن حصص الباقين ) قال : ومع وحدة الولي له المبادرة بالقصاص دون المراجعة إلى الإمام عليه السلام أو نائبه الخاص ، لإطلاق الأدلة أو عمومها ، وقد يقال بإشعار قول الباقر عليه السلام على المحكي ( ومن قتله القصاص بأمر الإمام فلا دية له في قتل ولا جراحة ) ( التهذيب باب القصاص رقم 17 ) ولا يخفى أنه لا يستفاد منه لزوم كون القصاص بأمر الإمام عليه السلام . وقد ذكر بعض الوجوه الذي لا وجه للاستدلال به في المقام ، ومع تعدد الولي قد يقرّب جواز المبادرة بالقصاص بدون المراجعة لبعض الأولياء استظهارا من الآية الكريمة ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليّه سلطانا بتقريب أن الحكم المجعول لطبيعي الولي ينحلّ بانحلاله ، فيثبت لكل فرد من أفراده حق مستقل كما هو الحال في سائر موارد انحلال الحكم بانحلال موضوعه ، ولا يقاس ذلك بحق الخيار ، فإنه حق واحد ثابت للمورث على الفرض ، والوارث يتلقى منه هذا الحق الواحد فلا محالة يكون لمجموع الورثة بما هو مجموع ، وهذا بخلاف الاقتصاص فإنه مجعول للولي ابتداء . ويمكن أن يقال : لا نسلَّم أن الحق مجعول ابتداء للوارث ، والشاهد عليه أن الدية ظاهرا ترجع إلى الميت ، والظاهر أنه تصرف في ديونه ، وما هو مقدّم على الإرث ، وقال عبد الحميد بن سعيد على المحكيّ : ( سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن رجل قتل وعليه دين ولم يترك مالا وأخذ أهله الدية من قاتله أعليهم أن يقضوا الدين ؟ قال : نعم ، قلت : وهو لم يترك شيئا ، قال : إذا أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا الدين ) ونحوه غيره . ومع قطع النظر عن هذا لازم ما ذكر أن يكون حق القصاص كالولاية للأب والجد ، فمع تصرف أحدهما لا يبقى محل لتصرف الآخر ، وفي مقامنا هذا لو اقتص أحد الأولياء ولم يرض سائر الأولياء لزم الدية لسائر الأولياء ، كما لو هرب القاتل ولم يمكن الاقتصاص تؤخذ الدية ، وترث الأولياء وهذا لا يجتمع مع استقلال كل واحد من الأولياء . واستدل أيضا لاستقلال كل من الأولياء بصحيحة أبي ولاد الحناط . . ولا يخفى ان ظاهر هذه الصحيحة أن الابن المريد للقتل يلزم أن يعطى الأم وورثة القاتل السدسين ويقتل القاتل ، فمع استقلاله كاستقلال الأب الولي في أمر المولَّى عليه لا حاجة إلى ما ذكر ، وأيضا يظهر من الصحيحة أن الحق بالأصل راجع إلى المقتول ويتلقى الأولياء من المقتول . وفي التكملة 2 / 129 : إذا كان للمقتول أولياء متعددون فهل يجوز لكل واحد منهم الاقتصاص من القاتل مستقلا وبدون إذن الباقين أولا ؟ فيه وجهان : الأظهر هو الأول - وفاقا لجماعة منهم الشيخ في المبسوط والخلاف وهو المحكي عن أبي علي وعلم الهدى والقاضي والكيدري وابني حمزة وزهرة ، بل في مجمع البرهان نسبته إلى الأكثر ، بل عن المرتضى والخلاف والغنية وظاهر المبسوط الإجماع عليه ، بل عن الشيخ في الخلاف نسبته إلى أخبار الفرقة . وخلافا لجماعة منهم الفاضل والشهيدان والفاضل المقداد والأردبيلي والكاشاني ، بل في غاية المرام أنه المشهور . ثمَّ يذكر سيدنا المحقق بالتفصيل وجه القول الذي ذهب إليه من أن حق الاقتصاص لا يخلو من أن يكون قائما بالمجموع كحق الخيار أو بالجامع على نحو صرف الوجود أو بالجامع على نحو الانحلال ، والأول لا دليل عليه بل هو خلاف ظاهر الآية الكريمة وانه ينافي حكمه وضع القصاص ، وكذلك الثاني حيث لازمه هو سقوط القصاص بإسقاط واحد منهم ، وأما الثالث فهو الأظهر فإنه الظاهر من الآية الكريمة ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليّه سلطانا ثمَّ يذكر السيد المحقق وجه ذلك بأن الحكم ينحلّ بانحلال موضوعه ، فراجع . وأما كتب العامة فقد جاء في الفقه الإسلامي وأدلته 6 / 280 ولاية استيفاء القصاص : الكلام فيما يلي استيفاء القصاص يحتاج لتفصيل بحسب ما إذا كان المستحق منفردا أو متعددا : 1 - إذا كان مستحق القصاص منفردا فأما أن يكون كبيرا أو صغيرا آ : فإن كان كبيرا فله استيفاء القصاص لقوله تعالى : « ومَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً » ب : وان كان صغيرا أو مجنونا ، ففي انتظار كماله عند مشايخ الحنفية رأيان : قال بعضهم : ينتظر بلوغه أو كماله . وقال آخرون : يستوفيه القاضي نيابة عنه . وقال المالكية : لا ينتظر البلوغ أو الإفاقة ، ولولي الصغير أو المجنون أو وصيهما النظر بالمصلحة في استيفاء القصاص ، وفي أخذ الدية كاملة . وقال الشافعية والحنابلة : ينتظر بلوغ الصغير وإفاقة المجنون ، لأن القصاص للتشفي ، فحقه التفويض إلى اختيار المستحق ، فلا يحصل المقصود باستيفاء غيره من ولي أو حاكم أو بقية الورثة . أقول : كثيرا ما نرى في عبائر الفقهاء - الخاصة والعامة - مسألة التشفي في القصاص وعند البعض يجعل الحكم يدور مداره ، والحال ليس التشفي الا من باب الحكمة وليست العلة حتى يدور المعلول مداره ، هذا أولا ، وثانيا : من حكمة القصاص أيضا الحياة في المجتمع وسلامته من الجناية والجناة ، فحينئذ لما ذا ينتظر بلوغ الصبي أو إفاقة المجنون ، بل لا بد من تطهير المجتمع سريعا ، فان من مصلحة الصبيان ذلك ، فيتولى ولي الصبي القصاص قطعا لجذور الفساد ، وربما يقال تقديم مصلحة المجتمع أولى من تقديم مصلحة الفرد ، هذا ولكن لا نقول بمثل هذه الاستحسانات الظنية التي لا تغني من اليقين شيئا ، بل في المسائل التعبدية نتبع الأدلة الشرعية ، فتدبر . ثمَّ قال المؤلف : إذا تعدد مستحقو القصاص : فإما أن يكون الكل كبارا أو فيهم صغيرا ، فإن كان الجميع كبارا حاضرين ، فلكل واحد منهم ولاية استيفاء القصاص ، حتى لو قتله أحدهم صار القصاص مستوفى للجميع ، لأن القصاص ان كان حق الميت ( كما يرى الصاحبان وموافقوهما ) فكل واحد من الورثة خصم في استيفاء حق الميت ، كما هو الحال في استيفاء المال . وان كان القصاص هو حق الورثة ابتداء واستقلالا ( كما يرى أبو حنيفة ومالك ) فكل واحد من الورثة يملك حق القصاص على سبيل الكمال . لكن يشترط عند الحنفية حضور جميع المستحقين عند استيفاء القصاص ، لاحتمال العفو من الغائب ، فإن بادر أحد المستحقين بقتل الجاني ، صار القصاص عند الحنفية مستوفى للجميع ، لأن القصاص واجب عينا ، وليس لباقي الورثة شيء من المال ، وانما يعزر المقتص لافتئاته على إمام المسلمين . وقال الحنابلة ، والأظهر عند الشافعية : انه لا قصاص في هذه الحالة على من بادر فقتل الجاني ، ولكن للباقين من المستحقين نصيبهم من الدية من تركة الجاني ، لسقوط حقهم بغير اختيارهم ، وكون ذلك من تركة الجاني لا من المبادر على الأرجح ، لأن المبادر فيما وراء حقه كالشخص الأجنبي ، ولو بادر أجنبي فقتل الجاني ، أخذ الورثة الدية من تركة الجاني لا من الأجنبي . ب - وأما إذا كان مستحقو القصاص كبارا وصغارا ، أو فيهم مجنون أو بعضهم غائب فللكبار استيفاء القصاص عند أبي حنيفة ومالك ، ولا ينتظر بلوغ الصغير ، ولا إفاقة المجنون ، لثبوت حق القصاص للورثة ابتداء على سبيل الكمال والاستقلال ، ولأن القصاص حق لا يتجزأ لثبوته بسبب لا يتجزأ ، وهو القرابة . ويؤيده اقتصاص الحسن لأبيه علي من ابن ملجم ، وكان في ورثة علي كرم اللَّه وجهه صغار . وأما الغائب فينتظر عودته لاحتمال عفوه حال غيبته ، فتقع الشبهة ، ولا قصاص مع الشبهة ، بعكس الصغير ، لأن العفو من الصغير ميئوس منه حال استيفاء القصاص ، لأنه ليس من أهل العفو ، وانتظار الغائب عند المالكية هو في حال الغيبة القريبة ، بحيث تصل إليه الأخبار إن أراد الحاضر القصاص . أما في حال الغيبة البعيدة بحيث يتعذر وصول الخبر إليه كأسير ومفقود فلا ينتظر . وللأب والجد عند الحنفية والمالكية استيفاء القصاص عن الصغير ، وأضاف المالكية دون الحنفية تلك الولاية للوصي أيضا . وقال الصاحبان والشافعية والحنابلة : ليس لبعض أولياء القتيل استيفاء القصاص إلا بإذن الباقين ، فإن كان فيهم صغير ينتظر بلوغه ، أو مجنون ينتظر إفاقته ، أو غائب ينتظر قدومه ، لأن القصاص حق مشترك بينهم ، ولا يملك أحدهم إبطال حق غيره ، فيؤخر إلى وقت كمال القاصر ، كما يؤخر لعودة الغائب . وليس للولي أبا أو جدا ولا للوصي ولا للحاكم استيفاء القصاص للصغير أو المجنون ، لأن القصد من القصاص هو التشفي ، وترك الغيظ ، ولا يحصل المقصود باستيفاء الأب أو غيره ، بخلاف الدية ، فإن الغرض يحصل باستيفائه . وفي المغني 9 / 461 : ( فصل ) فان قتله بعض الأولياء بغير إذن الباقين لم يجب عليه القصاص ، وبهذا قال أبو حنيفة وهو أحد قولي الشافعي ، والقول الأخير عليه القصاص لأنه ممنوع من قتله ، وبعضه غير مستحق له وقد يجب القصاص بإتلاف بعض النفس بدليل ما لو اشترك الجماعة في قتل واحد . ولنا انه مشارك في استحقاق القتل فلم يجب عليه القصاص . . فإذا ثبت هذا فإن للولي الذي لم يقتل قسطه من الدية لأن حقه من القصاص سقط بغير اختياره فأشبه ما لو مات القاتل أو عفا بعض الأولياء . .